ابن ميثم البحراني
86
شرح نهج البلاغة
في منثور الحكم : كلّ شيء محتاج إلى العقل والعقل محتاج إلى التجارب . وإذا عرفت أنّ طاعة المشير الموصوف بالصفات المذكورة مستلزمة في أغلب الأحوال للسرور بحسن ثمرة رأيه والفوز بها لا جرم كان معصيته ومخالفة رأيه مستلزمة للحسرة مستعقبة للندامة . وقوله : وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري . لمّا قدّم أنّ معصية المشير المذكور تعقّب الحسرة والندامة أردف ذلك ببيان أنّه هو المشير وأنّه أشار عليهم فخالفوه ليتّضح لهم أنّهم عصوا مشيرا قد استكمل شرائط الرأي فيتوقّعوا الندم على معصيته . وقوله : ونخلت لكم مخزون رأيي . استعارة للفظ النخل لاستخلاص أسدّ آرائه وأجودها لهم بحسب اجتهاده ، ووجه المشابهة أنّ أجود ما ينتفع به ممّا ينخل من دقيق ونحوه هو المنخول كذلك الرأي أجوده وأنفعه ما استخلص وصفى من كدورات الشهوة والغضب . وقوله : لو كان يطاع لقصير أمر . مثل . وقصير هذا هو قصير بن سعد اللخميّ مولى جذيمة الأبرش بعض ملوك العرب . وأصل المثل أنّ جذيمة كان قتل أبا الزباء ملكة الجزيرة فبعثت إليه عن حين ليتزوّج بها خدعة وسألته القدوم فأجابها إلى ذلك ، وخرج في ألف فارس وخلَّف باقي جنوده مع ابن أخته عمرو بن عدّى ، وكان قصير أشار إلى جذيمة أن لا يتوجّه إليها فلم يقبل رأيه فلمّا قرب جذيمة من الجزيرة استقبله جنود الزباء بالعدّة ولم ير منهم إكراما له فأشار عليه قصير بالرجوع عنها ، وقال : إنّها امرأة ومن شأن النساء الغدر . فلم يقبل . فلمّا دخل إليها غدرت به وقتلته . فعندها قال قصير : لا يطاع لقصير أمر . فذهبت مثلا لكلّ ناصح عصى وهو مصيب في رأيه . وقد يتوهّم أنّ جواب لو هاهنا متقدّم ، والحقّ أنّ جوابها محذوف والمعنى يتّضح بترتيب الكلام ، والتقدير إنّي كنت أمرتكم أمري في هذه الحكومة ونصحت لكم فلو أطعتموني لفعلتم ما أمرتكم به ومحّضت لكم النصيحة فيه ، فقولنا : لفعلتم هو تقدير الجواب ، وممّا ينبّه عليه أنّ قوله : فأبيتم علىّ إباء المخالفين الجفاة والمنابذين العصاة . وهو في تقدير استثناء نقيض ذلك